Sunday, February 21, 2016

D1: استعدوا لإنهيار المملكة السعودية

استعدوا لإنهيار المملكة السعودية

كتب: سارة شايس الخبيرة بمعهد كارنيجي والمستشارة السابقة لرئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة بأفغانستان وألكس دي وال الباحث الخبير بشئون السودان والقرن الأفريقي والمدير التنفيذي لمنظمة السلام الدولي (16 فبراير 2016)
ترجم: أحمد بدوي (21 فبراير 2016)




لنصف قرن, كانت المملكة العربية السعودية هى رمانة ميزان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط. مورد مضمون للنفط يشترى مورد مضمون للأمن. حيث ظلت واشنطن تصف حليفتها بعناد ب"المعتدلة" متجاهلة ممارساتها الأوتوقراطية وتصديرها للتطرف الوهابي. ثقة الاستخبارات الأمريكية في البترودولار السعودي كتمويل افتراضي لمكافحة الإرهاب لا تشوبها شائبة أو يعتريها أى تردد. وفي بحر الفوضى, كما تقول الأسطورة الأمريكية, فإن المملكة السعودية هى الدولة الوحيدة المستقرة.

ولكن هل هى كذلك؟

في الحقيقة إن السعودية ليست دولة من الأساس. وهناك طريقتين لوصفها: كمؤسسة سياسية ذات نموذج اقتصادي ناجح لكن غير قابل للاستمرار على المدى البعيد, أو كمؤسسة شديدة الفساد حتى أنها تبدو كمؤسسة اجرامية متكاملة أفقيًا ورأسيًا. وفي كلا الحالتين لا يمكنها البقاء. لقد فات الزمن الذي يمكن فيه لصناع السياسة الأمريكيون أن يبدأوا التخطيط لمواجهة مرحلة انهيار المملكة السعودية

في المحادثات الأخيرة مع الشخصيات العسكرية والحكومية صُدمنا كيف بدوا مصدومين بالنسبة لهذه الفكرة. وهاهنا التحاليل العلمية التي كان يجب أن يعملوا من خلالها.

الملك السعودي هو رئيس مجلس ادارة عائلة أعمال تقوم بتحويل عائدات النفط لأموال لشراء الولاء السياسي. وذلك يأخذ أحد شكلين: إما تسليم أموال سائلة أو اعطاء تنازلات تجارية للأعداد المتزايدة من المنحدرين من العائلة الحاكمة, والقليل من المنافع العامة وفرص العمل للعوام. والعصا الغليظة توفرها خدمات أمن داخلية وحشية مجهزة ببذخ بالمعدات الأمريكية.

وقد اعتمدت الولايات المتحدة مطولًا على العائلة الحاكمة التي تمتلك خزائن بلا نهاية من الأموال المخصصة لشراء الولاء. وحتى بحساب أسعار اليوم المنخفضة للنفط ورغم زيادة المسئولين السعوديين للنفاق على شراء الأسلحة ودخولهم مغامرات عسكرية في اليمن ومناطق أخرى فإن موارد الرياض المالية لا تكاد تنفد.

فالتوسع في انتاج النفط في وجه مثل تلك الأسعار المتدنية حتى الاعلان السعودي الروسي في السادس عشر من فبراير لتجميد الانتاج على مستويات يناير المرتفعة – قد يعكس حاجة ماسة للعائدات والضرورات الاستراتيجية الأخرى. والحديث عن طرح عام أولي لأرامكو السعودية يظهر بالمثل احتياج للعملة الصعبة.

وفي السوق السياسية فإن العمليات تتوافق مع الطلب كما العرض. فماذا لو أرتفعت أسعار الولاءات؟

ويبدو ان هذا هو مايحدث بالفعل. كان على الملك سلمان أن ينفق بسخاء لتأمين بيعة الوجهاء التي حصل عليها الملك عبدالله سابقًا. وهذا هو ماحدث في بلدين أخرتين عندما ضربها ذلك النوع من التضخم. في جنوب السودان لم تقم النخبة النهمة بتحويل أموال النفط المتحصلة حديثًا لجيوبهم الخاصة فقط ولكن حافظوا أيضًا على نفس المستوى المرتفع من الطلبات عندما نضب المال, بادئين انهيارًا حلزونيًا نحو الفوضى. تتمتع الحكومة الصومالية بدعم ممولين سخي, ولكنه فقد سعره في سوق سياسي شديد التنافسية وسط مجموعة من المشترين الآخرين بأجنداتهم الأيديولوجية أو الأمنية أو الإجرامية الخاصة.

مثل تلك المقارنات قد تكون مستفزة للقادة السعوديين, ولكنها دالة. وإذا أستمر معدل سعر الولاء في الإرتفاع فيمكن للملكية أن تواجه مأزقًا سياسيًا. وبالنظر من جهة أخرى فإن النخبة السعودية الحاكمة تمارس شيئًا يشابه ادارة مؤسسة اجرامية معقدة, بينما تطالب الجموع في كل مكان آخر بإصرار على محاسبة الحكومة وتحميلها المسئولية. ومع ذوبان نخبتها السياسية والاقتصادية في شبكة احتكارية فإن كميات كبيرة من الأموال غير المدرجة في الحسابات تغادر البلاد للحسابات الخاصة وعمليات الشراء الباذخة في الخارج كما يتم تكريس أدوات الدولة لخدمةً لتلك الأهداف. ويمكن مقارنة السعودية بالسلطوية الجشعة الفاشلة لأوكرانيا يانكوفيتش.

وبالتدريج تتزايد رؤية المواطنين السعوديين لأنفسهم: كمواطنين وليسوا رعايا. وفي دول متنوعة مثل نيجيريا وأوكرانيا والبرازيل ومولدوفا وماليزيا فإن الناس يصارعون الحكم الاجرامي وتحصن المسئولين العموميين ضد المحاسبة وأحيانًا بشكل عنيف. وفي عام 2015 وحده خرجت الحشود للشوارع إحتجاجًا على الفساد في أكثر من نصف دستة دول. وفي ثلاثة منهم هُدد قادة الدول أو أُضْطُرُوا للإستقالة. وفي أماكن أخرى ساهمت نفس المظالم في تمدد الحركات الجهادية أو المنظمات الإجرامية التي عرضت نفسها كجماعات روبن-هودية. ويمكن تفسير النزعة المغامراتية الصينية والروسية على الأقل جزئيًا كجهد معبر عن عدم رضاهم عن جودة الحكم هناك.

وحتى هذه اللحظة فإن الأقلية السعودية الشيعية هى التي يعلو صوتها بالمطالبات السياسية. ولكن الأغلبية السنية ذات المستوى التعليمي المرتفع, مع تعرضها غير المسبوق للعالم الخارجي, من غير المرجح أن تظل راضية للأبد ببضعة تفضلات يلقيها إليها شيوخ خارج نطاق النقد
.
ثم بعد ذلك فهنالك "العمال الضيوف". فيبدو أن المسئولين السعوديين يعتقدون أنه يمكنهم استغلال مصدر لانهائي له من المعوزين الشاكرين للعمل تحت أى ظروف. ولكن مع زيادة أعداد العمال الأجانب عن المواطنين بصورة كبيرة من المرجح أن تزداد قريبًا مطالباتهم بحقوقهم.

فقد تفادت الرياض الضغط لعقود عن طريق تصدير المنشقين عنها – مثل أسامة بن لادن – واثارة التطرف عبر العالم الاسلامي. ولكن هذه الاستراتيجية قد تؤدي لرد فعل عكسي: فإنتقادات بن لادن للفساد السعودي قد سمعها كثيرون وتردد صداها بين كثير من العرب. والملك سلمان الذي يبلغ 80 عامًا لا يبدو أنه يمتلك براعة أخيه غير الشقيق الملك الراحل عبدالله. فقد لجأ لبعض الوسائل المعروفة في جعبة النظم الدينية من اعدام لمنشقين والإنخراط في حروب خارجية وتأجيج الخصومات الطائفية لإضعاف المطالب السعودية الشيعية واشعال الحماسة القومية. وكل من ذلك له مخاطره العظيمة. وهناك القليل من الأشياء التي يمكن أن تحدث عندما تبدأ قبضة سلمان الهشة على السلطة في التصدع.

أولها الصراع بين الفصائل داخل العائلة المالكة مع زيادة سعر التحالفات عن قدرة أى شخص على الدفع نقدًا. ثانيها حرب خارجية. فمع المواجهة الجارية بين السعودية وايران بالوكالة في اليمن وسوريا فإن التصعيد سهل للغاية. ويجب على صانعي القرار في الولايات المتحدة وضع ذلك في الإعتبار مع استمرارهم في الضغط للوصول لحلول اقليمية للمشكلات الاقليمية. السيناريو الثالث هو سيناريو التمرد – سواء كان سلمي لا عنيف أوجهادي – والنتيجة سوف تكون سهلة التوقع بالنظر للحوادث السابقة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

وتستمر الولايات المتحدة في التحرك ببطئ بينما تتفكك الدول المزعوم صلابتها. وعلى أقل القليل فيجب التخطيط لتدريبات قاسية حيث يتم وضع سيناريوهات مختلفة وتحركات أمريكية محتملة لتقليل التعلق العاطفي بالوضع الحالي والتخفيف من مخاطره المحتملة. ثم يجب تحديد أكبرها احتمالية وأكثرها خطورة, كما يجب أن يطلق فريقًا متحمسًا للتدخل السريع الرصاص على طريقة تفكير الطيار الآلي التي لاتزال تقود سياسة واشنطن في ذلك الملف حتى اليوم.
"الأمل ليس سياسة" هى عبارة مبتذلة نعم لكن اختيار عدم مراجعة البدائل يصل بنا لنفس النتيجة.

---------------